النقب الأبي عصي على التهويد

النقب الأبي عصي على التهويد

. ابراهيم ابو جابر
ينصبّ اهتمام الحكومات الإسرائيلية المتتالية على وضع الخطط والمشاريع التهويديّة للنقب الفلسطيني، وكيفيّة النيل من صمود أهله؛ أصحاب الأرض الأصليين. فالمؤسسة الإسرائيلية حاولت منذ حين تطبيق خططها الجهنميّة على فلسطينيي النقب، والعمل على تهجيرهم داخل وطنهم، وإن أمكن خارجه، كي يتسنى للإسرائيليين سلب الأرض والاستيلاء عليها.
كما أنها لم تترك قانونا قديما أو حديثا خاصا بوضع اليد على أراضي الفلسطينيين العرب إلا وحاولت تطبيقه، مثل: القانون العثماني للعام 1858 وقوانين الانتداب للعام 1922 الخاصّة بتسجيل الأراضي، وقوانين فترة الحكم العسكري الظالمة، وما بعدها، بخاصة ما يعرف بين الناس بقانون التسوية للعام 1969.
ويغيظ فلسطينيو النقب المؤسسة الإسرائيلية هذه لتنامي عديدهم من عشرة آلاف نسمة عام النكبة (48) إلى أكثر من 200 ألف يقيمون على أراضيهم منذ مئات -إن لم يكن آلاف- السنين. إن الوجود العربي في النقب القائم اليوم على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية يعدّ أيضا مدعاة للتفكير الإسرائيلي بالسيطرة على هذه الأراضي وزراعتها بالمستوطنات والمشاريع الاستيطانية والتهويدية، حتى إن الكثير من مصانع السلاح والكيماويات وغيرها نقلت من أواسط البلاد إلى النقب، وكانت مردوداتها سلبيّة على النقباويين؛ فالأمراض انتشرت بينهم، وارتفعت نسبة العاطلين عن العمل، ولوحظ أيضا رحيل بعض الأسر العربية من النقب إلى الوسط والشمال بحثا عن فرص عمل وبيئة مناسبة أكثر لهم ولأسرهم.
نجحت مشاريع الترحيل الإسرائيلية هذه لدرجة معينة في السيطرة على الأرض في النقب؛ بالعنف تارة، وبالمراوغة والاحتيال والتزوير تارة أخرى، ناهيك عن مشاريع السلطة الظلامية المتعدّدة مثل: مخطط “غولدبرغ” و”شارون” و”برافر”، وما تخطّط له الحكومة الحالية من مشاريع تهويديه أخرى.
إن النقب اليوم العامر بأهله –أصحابه الأصليين- يحارب من قبل السلطة الإسرائيلية بكل الوسائل، وصلت مستوى متقدما وأليما تمثّل في الآونة الأخيرة بموجة من هدم للبيوت بل لقرى بأكملها تحت ذرائع واهية (البناء غير المرخص) وحجج غير منطقية أو قانونية، في حين أن السلطة الإسرائيلية تعلم أن هذه القرى كانت قائمة قبل قيام المؤسسة الإسرائيلية عام 48، أي عام نكبة الشعب الفلسطيني.
إن عمليات الهدم الحالية ضد القرى العربية في النقب؛ ما هي إلا سياسة عليا تهدف في المحصلة إلى ترحيل سكان المنطقة الأصليين، وتجميعهم في بعض التجمعات السكنية العربية المقامة في النقب، والاستيلاء على أراضيهم لزرعها بالمستوطنات والمنشآت الإسرائيلية بأنواعها، لتغيير طوبوغرافية البلاد وديمغرافيتها أيضا.
إن فلسطينيي النقب اليوم مطالبون -أكثر من أي وقت مضى- بالحذر من ألاعيب السلطة الإسرائيلية وأساليبها الخبيثة، لنهب الأرض، لما تستخدمه من طرق وأساليب ناعمة، مثل الإغراءات المادية أو منح أصحاب الأراضي قسائم بناء في التجمعات السكنية العربية في النقب وغير ذلك، مقابل القبول بالتسوية معها؛ والتسوية تعني الحصول على 20% من مساحة الأرض في منطقة أخرى (أرض غائب) وتعويض مالي بخس عما تبقى من مساحة الأرض، قد لا يتعدى سعر الدونم الواحد 3-5 آلاف شيكل؛ قبل خصم نسبة الضريبة منها، وبالطبع بعد توقيع صاحب أو أصحاب الأرض على المستندات الخاصة بذلك، والتي تعني في المحصّلة بيع الأرض المحرّم في الشريعة الإسلامية، ودم كل من يقدم على ارتكاب هذه الجريمة والفعلة مهدور.
إن النقب الفلسطيني العامر بأهله الأصليين المتجذّرين فيه منذ آلاف السنين، كان وسيبقى عصيّا على المعتدين الطامعين، ولن يحني لهم هامة رغم كل الممارسات العدوانية عليه وعلى أهله الأجاويد، ففلسطينيو النقب كانوا وسيبقون جزءا أصيلا من شعب فلسطيني أصيل كان وسيبقى منتصب القامة.