حَيَاةُ الكُتَّاب

الحلقة (2)
حَيَاةُ الكُتَّاب
أشهد أن أبي رحمه الله كان عابدًا قوّامًا ومكافحًا جلدًا، وقد سماني محمد الغزالي لأن أبا حامد رضي الله عنه أوصاه بذلك في رؤيا صالحة رآها وهو أعزب.
وعندما ولدت شرع يهتمُّ بي، فما بلغت الخامسة حتى كنت في الكُتّاب، أحفظ القرآن مع غيري من الصبية، ولما كان هو من الحفاظ، فقد تعاون مع فقهاء الكتاب على ألا أضيع سدى، يجب أن أستظهر القرآن الكريم في أقصر مدة!
لم أكن بليدًا ولا نابغًا، كنت متوسط الذكاء، ضئيل الجسم، قصير القامة، وكان وقع العصا على جلدي رهيبًا عندما أخطئ، وربما أكرهتني الهيبة على التلعثم، فإذا ارتفعت العصا أسرعتُ إلى استعادة وَعْيي وتابعت القراءة، بعدما أنتهي من مرحلة الكتابة.
وعلى بعد مائة ذراع تسمع هدير التلاوة، تقطعه بين الحين والحين استغاثة مضروب لم يحسن الأداء، يتوجع من لذع العصا.
والآباء يوصون المعلمين بألا تأخذهم شفقة في التعليم والتأديب، فعصا الفقيه من الجنة كما يقولون!
سألت نفسي بعدما كبرت سني عن جدوى هذه الطريقة، ولم أنته إلى إجابة حاسمة‍!
هناك من رفضها بحجة أن شحن أذهان الأولاد بالعصا يعطل نموهم العقلي ..!
ولكني رأيت هؤلاء يشحنون عقول الأطفال بخيالات مجنونة لا أصل لها ولا جدوى منها، عن طريق الحكايات الخرافية المصورة في “التلفاز” أو المروية بوسائل الإعلام الأخرى.
قلت: لأن أملأ الذاكرة بشيء أستفيد منه في المستقبل خير من ملء الدماغ بأوهام الصور المتحركة، والأقاصيص السخيفة.
ومع هذا الرد فإن الاعتراض بقي قائما، هل يستفيد القرآن نفسه من هذه الأشرطة التي استوعبت ألفاظه، وحفظت آياته في الصدور؟ حفظًا لا تدبّر معه ولا فقه فيه؟
ربما قيل: بقي القرآن متواترا على حين ضاعت كتب سماوية أخرى!
وذلك حق! فإن ضمانات الخلود توفرت لهذا القرآن العظيم، فما ضاع منه حرف، غير أن ذلك لا يقصد لذاته، فبقاء المبنى إنما هو من أجل حياة المعنى، وازدهاره، والعمل به، وإقامة حضارة على دعائمه، والإمساك بالألفاظ لا يحقق هذه الغايات العظام.
إن نظام الكُتّاب قد تلاشى تقريبا، وحلّت محلّه مدارس للقرآن فيها وجود يشبه العدم!
وتكاد التربية الإسلامية والعربية عندنا تجف ينابيعها!
ووَدِدْتُ لو انعقدت مؤتمرات دائمة لاستبقاء محاسن الكُتّاب واستبعاد مساوئه ووضع سياسة جديدة لربط الأجيال الناشئة بأصولها وقيمها.