قضاء في مصر مسيّس….

د. ابراهيم ابو جابر
انحرف القضاء المصري عن جادّة الطريق، واتّبع هوى السلطان في هذا الزمان، فأخذ يتلاعب بأرواح المسلمين هناك بدون حكمة ولا رويّة ولا مهنيّة. فأحكام الإعدام لقادة ونشطاء حركة الإخوان المسلمين وعلى الرئيس المنتخب والشرعي الدكتور محمد مرسي، والمرشد العام للحركة محمد بديع وغيره من ألمع وجوه الإخوان، هي بالجملة.
لقد تخطّى قضاة مصر كل الخطوط الحمراء، سواء من الناحية القانونية أو الدينية أو الأخلاقية، بما أصدروا من أحكام إعدام بالجملة، قدّرت في بعض الجلسات بالمئات على نشطاء من الإخوان المسلمين، في سابقة خطيرة جدا، جعلت الكثيرين من حقوقيين وسياسيين وعلماء ومفكرين وغيرهم يعتبرون أن هذا القضاء مسيّس وهزلي بل فقدوا الثقة به.
إنّ العدل ركيزة أساس في الإسلام كما نعلم، وهو مبدأ أساس في النظام السياسي الإسلامي، وصىّ به الله عز وجل عندما قال: (.. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). وقد قالها العلامة ابن خلدون: “العدل أساس الملك”. وروي عن العلامة ابن القيم قوله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام”، فكيف بهؤلاء القضاة يخونون الأمانة، بل لا يرعوون عن الحكم بغير ما ثبت في الإسلام، وسار عليه الخلفاء الراشدون في حكمهم في سياستهم للناس؟؟
إنّ هؤلاء القضاة يقينا باعوا دينهم وضمائرهم وعلمهم لهوى طاغية من طغاة الأرض، مقابل المال والمنصب الزائلين، بأحكامهم الظالمة على مئات المصريين المؤمنين ممن ثاروا على الظلم والتعدّي على الشرعية الدستورية، وعزل رئيس شرعي منتخب من الشعب عن منصبه والزج به في السجن، لأنّ هذا إهانة كبيرة لكل مصري حر وشريف طموح. لقد استبشر ملايين المصريين بل والعرب والمسلمين خيرا بانتخاب الرئيس مرسي رئيسا لمصر الثورة، بخاصة ما طرحه من برامج ومشاريع إصلاحيّة مختلفة ومتنوّعة، بدأت تؤتي أكلها مباشرة بُعيد تسلمه السلطة، من خلال رفع الرواتب وتحسين إنتاج القمح المصري، والإصلاح الإداري، وحتى على مستوى القوات المسلحة المصرية، قبل خيانة السيسي للأمانة والقسم.
قضاة العار والظلم هؤلاء، لن يُفلتوا من العقاب، سواء على يد سيّدهم الطاغية السيسي كعادة الحكام الدكتاتوريين الذين يعملون على ستر عوراتهم وجرائمهم في تغييب أو إقالة أو التحويل على التقاعد والمعاش، أو خوفا من تشكيلهم مراكز قوى ولوبيات تنافسه السلطة أو تبتزّه ماليا، أو على مستوى المناصب والترقيات، كل ذلك بعيدا عمّا ينتظرهم  من عقاب في الدنيا أيضا في حال تغيّرت الأوضاع وزال حكم الطاغية السيسي، ثم يوم الدين من القضاء الرباني الذي سيقتص منهم عن كل جريمة قانونية ارتكبوها في حق العباد.
إن الباب لا يزال مفتوحا للشرفاء من قضاة مصر ممن يتعاطون مع ملفات لها علاقة برافضي التعدّي على الشرعية، ومناهضة ما ارتكبه الطاغية السيسي ضد الرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي.. أمامهم فرصة بل فرص للنجاة بأنفسهم والتنحي عن الحكم في ملفات مثل هذه من خلال رفض النظر في ملفات كهذه، أو حتى الاستقالة نهائيا من سلك القضاء المصري أو التقاعد المبكّر، غير أنهم أيضا يملكون ورقة أخرى في إمكانهم أن يستخدموها للضغط على الحكومة والنظام، تتلخص في التحرّك الجماعي لكافة القضاة ضد هذه الملفات والإضراب وتعطيل المحاكم ومطالبة الدولة بضمان النزاهة المطلوبة للقضاء المصري، ومنع تسييسه والتدخّل فيه من قبل الأجهزة الحكومية المختلفة.
وليعلم قضاة مصر أن العالم على دراية بأن أحكامهم الظالمة مسيّسة وموجّهة تخدم السلطة الحاكمة والنظام، وأن ذلك يعني يقينا خيانة للمهنة والقسم، وهدرا لدماء مسلمة–عربية بريئة سيدفعون ثمنها في الدنيا والآخرة، وأن الأموال والرواتب زائلة، وأن الطاغية السيسي لن يعمّر ولن يطول حكمه، فما طار طائر وارتفع، إلا كما طار وقع