يوم فتح القسطنطينية ويوم النكسة العربية

فتح القسطنطينية 
يوم الجمعة الأخير29/5 كان يوم الذكرى الـ 562 لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية على يد القائد الشاب محمد الفاتح رحمه الله تعالى. وفتح القسطنطينية هو حكاية حلم وأمنية كان يحلم بها ويتمناها كثيرون من المسلمين، على أمل أن يتحقق فيهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتُفتحَنَّ عليكم القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها).
وسعيًا لتحقيق ذلك الحلم والأمنية فإن الكثيرين انتهى حلمهم هناك؛ عند أسوار القسطنطينية الشامخة الحصينة والمنيعة فماتوا ودفنوا عند أسوارها، ولم يحظوا بشرف فتح القسطنطينية وإن كانوا -على يقين بصدق نيتهم التي يعلمها الله سبحانه- قد نالوا من الأجر والثواب ما يبلغهم إن شاء الله مراتب الشهداء. ولعل أشهر من سعى لتحقيق ذلك الحلم ونيل ذلك الشرف الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، الذي سمع بأذنيه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوعد الصادق بفتح القسطنطينية، وقد مات ودفن عند أسوارها.
ولقد تحقق ذلك الشرف ونال وسام النبوة الشاب المؤمن محمد الفاتح؛ ابن السلطان مراد الثاني، ولم يكن قد أتم من العمر إحدى وعشرين سنة، وكان ذلك في العام 1453 للميلاد، الموافق لعام 857 هجرية.
لم يكن فتح القسطنطينية بالنسبة إلى محمد الفاتح وحيًا من السماء بقدر ما أنه كان نتاج تربية ترباها وإعداد أعدته له أمه يوم أن أرضعته مع حليب الطفولة، تلك الأم المؤمنة التي كانت تسمعه ذلك الحديث منذ الصغر؛ بل كانت تخرج به لتريه من بعيد تلك الأسوار المنيعة والمدينة الحصينة، التي اسمها القسطنطينية، وتقول له لعلك يا بني أن تكون أنت ذلك الأمير الذي سيفتحها.
لقد جاء فتح القسطنطينية، والذي كان بمثابة الصاعقة نزلت على أهلها وعلى كل العالم الغربي يومها. وكان ذلك لسببين؛ أما السبب الأول فلأن من القسطنطينية كانت تمر جحافل الجيوش البرية الإفرنجية التي زحفت يومًا نحو بلاد الشرق الإسلامي، والتي احتلت عواصمنا؛ القدس ودمشق والقاهرة. نعم! من القسطنطينية مر ملوك ألمانيا وفرنسا والنمسا الذين احتلوا القدس والأقصى ومنعوا الأذان فيه مدة 90 سنة، وإذا بها القسطنطينية صاحبة ذلك الدور، وإذا بها تفتح على يد المسلمين.
وأما السبب الثاني من أسباب الذهول والصاعقة التي نزلت على أهل الغرب مع سقوط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، بل وتسميتها باسم “إسلام بول”؛ أي مدينة الإسلام، فلقد كان بسبب أن الدولة الإسلامية في الأندلس، والتي كان عمرها في تلك الحقبة قريبًا من 750 سنة، كانت تترنح وتعيش خريفها وتعيش حالة تمزق وذل وانتكاس، بعد قرون من المجد والعظمة والعزة عاشها المسلمون هناك.  
إنها الأندلس التي انقسمت إلى دويلات وإمارات متحاربة متصارعة يعبث بها ملوك الإسبان “فرناندو” و”إيزابيلا”، لا بل وصل الأمر حد الخيانة والتآمر والولاء من بعض أمراء المسلمين مع أعدائهم، بل وحتى قتال أبناء جلدتهم ودينهم عبر تحالفات دنيئة مع الإسبان.  
في الوقت الذي كانت أمة الإسلام تعيش تلك الحالة بلغت نهايتها الحزينة عام 1512 العام الأخير من سيادة المسلمين في الأندلس، وبينما المسلمون يعيشون حالة الفرقة والشتات والذلة وتناقلت القوافل والركبان أخبار تلك النهاية الحزينة لذلك المجد العظيم، وإذا بها الأخبار تطير من جهة الشرق من هناك تتحدث عن فتح المسلمين للقسطنطينية؛ عاصمة الدولة البيزنطية الدولة العظمى في العالم يومها. وكيف لا يُصاب الغرب بالذهول، وهو الذي لم تكتمل فرحته بالانتصار على المسلمين في موقع؛ وإذا به ينتحب وينتكس ويخزى على يد أبطال الإسلام في بقعة أخرى من بقاع الأرض، ليدرك يومها أهل الغرب استحالة طمس هذا الدين وإطفاء ذلك النور.  
لقد كان يوم 29/5 يوم فتح القسطنطينية نقطة البداية لعهد جديد من الفتوحات، فيه غزا المسلمون أهل أوروبا في عقر دارهم، حتى إنهم وبعد فتح بلاد البلقان وسقوط أهم عواصمهم بعد القسطنطينية -وهي “بلغراد”؛ عاصمة الصرب- تحت قبضة المسلمين، وصلوا إلى النمسا وسط أوروبا وحاصروا عاصمتها “فيينا” شهورا عديدة.
لقد كان فتح القسطنطينية سببًا في فتح قلوب شعوب كثيرة دخلت الإسلام وانتمت إلى دين التوحيد كالألبان والبوشناق وغيرهم، حتى إن من هؤلاء من بادلونا الحب أكثر مما أحببناهم، بل إنه ردا للجميل منهم على نعمة الإسلام، فقد سالت دماؤهم في بلاد العرب والترك، وقد جاءوا يقاتلون دفاعًا عنا. وإن قبور شهدائهم تشهد، وإن أسماء عائلاتهم في بلادنا لهي الدليل.
إن يوم فتح القسطنطينية إذن كان يوم ملحمة وعز ومجد. ولم يُخلّد هذا اليوم بمداد الأقلام فقط، وإنما خلّد بدماء الشهداء، فيجدر بنا أن نقف عند هذا التاريخ وقفة العطشان لشربة الماء، ووقفة التائه يرى في الأفق أنوار العمران. إننا لا نقف عند ذلك الماضي لنعيش على الذكريات ونبكي على الأطلال، وإنما نقف لنجعل من تلك الوقفة توثبًا وتحفزًا لانطلاقة جديدة بها نطوي صفحات ذل وزمان خذلان وتاريخًا أسود كتبه ولوّنه بالعار أشباه رجال. 

النكسة العربية 
إذا كان يوم الجمعة الأخير 5/29 هو يوم ذكرى فتح القسطنطينية فإن اليوم الجمعة -الذي نحن فيه- هو يوم ذكرى النكسة العربية (5.6.1967) والفضيحة الكبرى والعار الذي لا ينمحي، جلبهُ علينا أدعياء عروبة وأبواق ثورية كاذبة. 
يوم الخامس من حزيران عام 1967 شهد تلك المهزلة التي سموها حربًا، وهي لم تكن كذلك. فكيف يمكن أن نسميها حربًا وهي لم تدم إلا أقل من ستة أيام استطاع فيها الجيش الاسرائيلي أن يحتل سيناء، التي هي أكبر من مساحة فلسطين، واحتل قطاع غزة واحتل الضفة الغربية والقدس الشريف وهضبة الجولان؟
يوم الخامس من حزيران؛ يوم النكسة العربية، اليوم الذي فيه انكشف زيف أدعياء القومية العربية الذين أشبعونا جعجعة وبطولات موهومة وعنتريات لا رصيد لها، يوم هرب جنودهم من الجبهات، بينما قادتهم وكبار ضباطهم يسهرون في المراقص والملاهي والليالي الحمراء، ولم يستيقظوا من سكرتهم إلا على وقع تدمير الطيران الإسرائيلي لمطاراتهم وطائراتهم التي لم تقلع أصلًا.
يوم النكسة العربية يوم فضيحة جمال عبد الناصر، وفضيحة حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري، وغيرهما من الذين حاربوا المشروع الإسلامي أشد وأشرس مما حاربوا المشروع الصهيوني، الذي أثبتت الأيام أن مصالحهم توافقت مع مصالحه على محاربة الإسلام وأهله.
يوم النكسة العربية؛ اليوم الذي فيه وقعت القدس الشريف والأقصى المبارك تحت الاحتلال الصهيوني ليسجل التاريخ حقبة سوداء من حقب الذل العربي فيه تغتصب قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم. فلقد شهد التاريخ المرة الأولى التي وقعت فيها القدس تحت الاحتلال الصليبي خلال فترة حكام وزعماء وأمراء فاسدين داس فيها الصليبيون عروشهم وكرامتهم، ودنسوا طهر القدس وجلالها. وجاءت المرة الثانية يوم النكسة العربية، الذي وقعت فيه القدس تحت الاحتلال الصهيوني خلال فترة حكام وزعماء وأمراء فاسدين داس الصهاينة عروشهم وكرامتهم واحتلوا القدس ودنسوا طهرها.
يوم النكسة العربية؛ اليوم الذي فيه تصدّر المشهد وجلس خلف المقود وتربع على كرسي الزعامة أولئك الذين شخّص فضيلة الدكتور القرضاوي صفاتهم لما قال في كتابه “أعداء الحل الإسلامي” صفحة 172: ((كان الاستعمار يعمل على خلق جيل شرقي الوجه والدم، غربي الذوق والتفكير، يحمل في شهادة ميلاده أو جواز سفره اسمًا عربيًا إسلاميًا، ويحمل في رأسه عقلًا أوروبيًا أو أمريكيًا خالصًا. وكان يريد أن يأتي اليوم الذي لا يظهر فيه على المسرح بنفسه أو بممثليه المباشرين، وأن يدع دوره لوجوه “وطنية” أو “قومية” تؤدي نفس مهمته وتسير في نفس طريقه؛ طريق الهدم بغير فأس، والقتل بغير إطلاق الرصاص، وهذا كان في الحقيقة أخطر ما صنع الاستعمار في ديارنا وما خلف من آثار في أوطاننا.
كان الاستعمار يعمل على أن يؤدي دوره في التخريب لكيان الأمة المعنوي ومقوماتها الروحية والخلقية والفكرية عربٌ، بل مسلمون بالذات، فإن الشجرة -كما قال أحد المبشرين- لا يقطعها إلا أحد أغصانها. ونجح الاستعمار وتحقق له ما أراد، وهذه هي الكارثة حقًا؛ كارثة الذين يريدون أن يخلعوا الأمة من دينها، وهم مع هذا ليسوا بإنجليز ولا فرنسيين ولا أمريكان، وإنما هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، هؤلاء “الوطنيون” “القوميون”  “المتغربون” من بني جلدتنا هم في الواقع أخطر من سادتهم وأساتذتهم وصانعيهم من المستعمرين المكشوفين)). 
وإذا كان من هؤلاء من هدموا بغير فأس، وقتلوا من غير إطلاق رصاص، وهؤلاء هم الكتاب والإعلاميون والفنانون وشعراء البلاط وكتاب النفاق والتزلف الذين يمجدون الظلمة والطواغيت، والذين طعنوا بسهام أقلامهم الإسلام في الصدر وفي الظهر، إلا أن هناك من هدموا بفأس اللؤم وقتلوا برصاص الغدر وأسالوا دماءً كثيرة للأبرياء والشرفاء؛ لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أن يسيروا في قطيع الظلمة وأن يهتفوا للشرق أو الغرب، وكانوا من دعاة المشروع الإسلامي. وليس ما فعله جمال عبد الناصر إلا مثالًا، وما يفعله السيسي إلا شاهدًا ودليلًا.
إنهم الذين رسموا حولهم هالة من البطولات المزعومة، وانتحلوا أسماءً وألقابًا ورُتبًا ليس لها رصيد على أرض الواقع. وصدق الشاعر فيما قال عن أشباه هؤلاء من أمراء السوء والفتنة سابقًا وما ينطبق على من هم في زماننا من زعماء وأدعياء القومية:
ومما يزهدني في أرض أندلسٍ           أسماء مقتدرٍ فيها ومعتمدِ 
ألقاب مملكةٍ في غير موضعها            كالهر يحكي انتفاضًا صولة الأسدِ 
ها نحن إذن بين تاريخين اثنين؛ تاريخ ذكرى فتح القسطنطينية وتاريخ ذكرى النكسة العربية، أما تاريخ القسطنطينية وفتحها فإنه الذي يحكي لنا قصة مسلمين ليسوا عربًا، كانوا سببًا في مجد الأمة وعلو شأنها وعزها، حتى بلغت بهم الأمة كل مبلغ، ووصلت إلى سماء المجد والكرامة، كان منهم محمد الفاتح وصلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد والظاهر بيبرس وغيرهم كثير. أما ذكرى النكسة العربية فإنه الذي يحكي لنا قصة عرب مسلمين كانوا وصمة عار في جبين الأمة وتاريخها حين ضيعوا ما حققه الأجداد، وفرطوا بميراث الفاتحين والأبطال، إنهم الذين ضيعوا القدس والجولان وغزة والضفة وسيناء؛ جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وغيرهما. وها هم الذين يسيرون على طريقهم؛ طريق الانقلابات والمجازر ومطاردة الشرفاء ومحاربة الدين أمثال بشار والسيسي وغيرهما.
فللذين يفركون أيديهم فرحًا بحال الأمة اليوم وما هي عليه من تمزق، وبخاصة قادة المشروع الصهيوني؛ هؤلاء الذين فرحوا كثيرًا بل كانوا سببًا في إسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية وطعنوا إسطنبول في الظهر عام 1923 من خلال رجالاتهم المعروفين بـِ “يهود الدونمة”، وهم اليهود الذين خرجوا من الأندلس عام 1512 مع خروج المسلمين، لأنهم عرفوا أنه لا أمان لهم ولا احترام ولا حماية عند الإسبان بعد خروج المسلمين، فخرجوا معهم إلى بلاد الإسلام، ولكنهم وبدل رد الجميل كانت طعنة الغدر لإسطنبول ولدولة الخلافة وللمسلمين.
ها هي لم تمر إلا أقل من مئة سنة ستكتمل عام 2023، وقد عادت فيها تركيا إلى الإسلام دولة قوية عظيمة في كافة نواحي الحياة، وكأنني الآن فهمت لغز اختيار الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه أحمد أوغلو للعام 2023، الذي يتحدثون عنه كثيرًا أن فيه ستصبح تركيا الدولة العاشرة عالميًا في كل شيء، وكأنه سيكون احتفالية الذكرى المائة لتركيا بعد انقلاب 1923، لكن وبالعودة إلى حضن الإسلام كأقوى ما تكون العودة عام 2023.
وللذين -بغباء غير مسبوق- يقهقهون ويصرخون فرحًا للثورة المضادة ضد ثورات الربيع العربي قادها بشار والسيسي وغيرهما، حيث هذه الثورات المضادة تمثل أمنية لقادة المشروع الصهيوني الذي ارتعدت فرائصه من ثورات الشعوب العربية مطلع العام 2011، لهؤلاء أقول: لا تفرحوا كثيرًا، واعلموا أن أمتنا قد مرت بظروف أصعب بكثير مما هي عليه اليوم وقد تجاوزت تلك الظروف، وإن حكامًا فاسدين وخونة وعملاء للأعداء قد مروا بتاريخ الأمة كانوا أشد وأكثر حقدًا على الإسلام من السيسي وبشار، وقد مضى أولئك وسيمضي هؤلاء.
يا قادة المشروع الصهيوني؛ إذا كان العام 1917 هو عام “وعد بلفور” لكم؛ فكأنني مطمئن إلى أن العام 2017 وصاعدًا ستكون أعوام تحقيق وعد الله لنا: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا).
يا هؤلاء؛ إنه مارد الإسلام الذي نام طويلًا وبدأ يتململ، يا هؤلاء إنه ربيعنا وإنه خريفكم، وإننا على يقين أنه لا نكسات بعد اليوم كالنكسة العربية، وإنما هي انتصارات وفتوحات كفتوحات القسطنطينية. وإن غدًا لناظره قريب..
رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة
(والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)