أول قارئ مصري يتلو القرآن في الأقصى رحيل شيخ المقرئين المصريين الشيخ أبو العينين شعيشع
2011-06-30

شهادة ميلاده تشير إلى أنه من مواليد سنة 1922م، ولكنه يعتبر أن تاريخ مولده الحقيقي بدأ مع تلاوته للقرآن الكريم، فوالده كان يطمح أن يرى ولده ضابطا. ولكن الطفل الصغير أراد له ربه شأنا آخر، فقد ادخره لحمل أمانة تبليغ كتابه للناس، فبدأ شيخنا يضع أقدامه على أول الطريق، وكان هناك عمالقة فطالت عنقه حتى قاربتهم، وعاش مع القرآن رحلة طالت إلى نصف قرن فهي رحلة عمل ليست للمكاسب فقط.
 البداية كانت بمولده في مركز (بيلا) في محافظة كفر الشيخ المصرية عام1922 م. بدأ في الصغر كأي طفل في القرية، فدخل المدرسة الابتدائية حتى الصف الرابع، ثم تحول إلى المرحلة الإلزامية، ولما وصلت سنه إلى اثنتي عشرة سنة دخل الكـُتاب، وحفظ القرآن الكريم في سنتين.
 في ذلك الوقت كان الشيخ أبو العينين لا يستعمل صوته إلا في القرآن، وذات مرة سمعه الشيخ يوسف شتا -شيخ الكتاب- وقتها وهو يدندن مع الأطفال بالقرآن، فتنبأ له بمستقبل عظيم مع كتاب الله، وفي المدرسة كانوا ينتدبونه لتلاوة بعض آيات من القرآن في المناسبات، وكان محاطا من الجميع بالتشجيع والتعاطف مع صوته، ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره ذاعت شهرته في بلده كفر الشيخ، والبلاد المجاورة.
دعي إلى المنصورة سنة 1936م لإحياء ذكرى الشهداء الذين سقطوا في تلك الفترة، وفي ساحة كبيرة في مدرسة الصنايع دخل إلى مكان الاحتفال ببذلة وطربوش وشاهد جمعا غفيرا من الناس فدُهش! ولكن الخوف لم يتملكه، فكيف يهاب الناس وهو يحمل القرآن بين جنبيه؟ فجلس بجوار المنصة، ولما قرأ قول الحق تبارك وتعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) شعر بالاستحسان في عيون الناس، وانقلب الاحتفال إلى مهرجان لنصف ساعة وحملوه على الأعناق وآلى على نفسه منذ هذا اليوم أن ينتهج القرآن لكي يكون قارئا.
 وفي عام 1939م دعي الشيخ شعيشع لإحياء مأتم الشيخ الخضري وكان من كبار العلماء. 
 وكانت تربطه به صلة مصاهرة، فلما حضر الليلة وكان موجودا فيها الشيخ عبد الله عفيفي -وكان شاعرا بالإضافة إلى كونه إمام الملك في ذلك الوقت- فلما سمعه طلب أن يقدمه للإذاعة، فذهب الشيخ أبو العينين شعيشع لمقابلة سعيد لطفي باشا، مدير الإذاعة المصرية، وحدد له يوم الامتحان أمام لجنة مكونة من كبار العلماء منهم: الشيخ أحمد شوريت وإبراهيم مصطفى، عميد دار العلوم، والشيخ المغربي، وفي ذلك الوقت كانت الإذاعة متعاقدة مع الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، وتم التعاقد معه أيضا، وكان يُعدّ أصغر قارئ للقرآن، إذ كانت سنه سبع عشرة سنة.
 وفي ليلة القدر من عام 1942م كان الشيخ ومعه الشيخ الشعشاعي يحييان ليالي رمضان في قصر عابدين، فجاءهما رئيس الديوان الملكي وأخبرهما بأن الملك فاروق قرر منح الشيخين وسامين. 
 والشيخ أبو العينين شعيشع أول قارئ للقرآن الكريم يسافر إلى الدول العربية، وذلك في عام 1940 م بدعوة من إذاعة الشرق الأدنى ومقرها فلسطين، فتعاقدت معه لمدة ثلاثة أشهر، وكان يقرأ قرآن صلاة ظهر الجمعة من المسجد الأقصى وتنقلها إذاعتا الشرق الأدنى والقدس على الهواء مباشرة.
وهناك طرفة حكاها الشيخ أبو العينين، فهذه هي أول مرة يغادر فيها مصر، وكان شديد الحب والارتباط بأمه التي لم يفارقها من قبل، وكانت سنه ثماني عشرة سنة، وبعد فترة من وصوله فلسطين سُحب جواز سفره، فقد كانت إذاعة الشرق الأدنى تخضع للإنجليز. وهناك شعر باشتياق جارف إلى أمه، وقرر العودة إلى مصر، ولكن كيف وجواز سفره في أيديهم؟ 
 ففكر بأحد أصدقائه وهو يوسف بك بامية، وكان من كبار الأعيان في فلسطين، وكان على صلة وثيقة بمديري الإذاعة، فاستطاع أن يحصل على جواز سفره، فسافر الشيخ أبو العينين شعيشع صباحا بقطار حتى وصل مصر مغرب أحد الأيام، وتوجه إلى منزله ومد يده ليدير مفتاح الراديو ليسمع إذاعة الشرق الأدنى، فإذا بالمذيع يقول: نحن في انتظار القارئ الكبير الشيخ أبو العينين شعيشع، وقد رجته إدارة الإذاعة أن يعود إلى فلسطين.
 وحدث في عام 1948م أن نقلت إذاعة الشرق الأدنى إلى قبرص، وطلبوا الشيخ شعيشع. فوافق الشيخ على الفور.
 وفي بداية الخمسينات كان الشيخ أبو العينين أول من سجل القرآن الكريم على أسطوانات، وكان قبل عصر التسجيلات يقيم في رمضان في الإذاعة ليؤذن لصلاة الظهر والعصر، وعند المغرب يؤذن للصلاة، ثم يتناول قليلا من التمر، حتى يحين موعد أذان العشاء فيؤذن للصلاة ثم يتوجه إلى منزله لتناول إفطاره.
 وقد سار الشيخ أبو العينين على خطى سلفه الشيخ محمد رفعت، فكان خير من قلد صوته، ما دفع بالإذاعة بعد وفاة الشيخ رفعت إلى الاستعانة به في تسجيل الأجزاء التي حدث فيها خلل اضطرت معه الإذاعة إلى مسحها وإعادة تسجيلها من جديد، ولكن الشيخ شعيشع اتخذ لنفسه بعد ذلك خطًّا آخر بعُد فيه عن التقليد، وأصبح واحدا من عُمَد القراء في مصر. 
 ونال الشيخ عدة أوسمه من الدول التي زارها، فحصل على وسام الاستحقاق من سوريا ووسام الرافدين من الدرجة الأولى من العراق، على الرغم من أن مناسبة الزيارة كانت حزينة لوفاة الملكة أم الملك فيصل، إلا إنه وتقديرا للقرآن الكريم أعطي الوسام، ومن لبنان وسام الأرز وكذلك من الأردن والصومال وتركيا وباريس. 
 وقام بترتيل القرآن ومعه الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد في أبو ظبي في رمضان لمدة عشر سنوات متتالية بدعوة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات.
والشيخ أبو العينين شعيشع كان الوحيد الذي يقرأ القرآن وهو يرتدي البذلة والطربوش، حتى وصل إلى تركيا لإحياء ليالي رمضان، وفي المطار قابله القنصل العام للسفارة المصرية هناك، وأخبره بأن الطربوش محرم حتى على أئمة المساجد إلا وقت الصلاة! فبحث في جيبه فوجد شالا أبيض قام بلفه على الطربوش، وفي تركيا وجد إقبالا شديدا على الصلاة في المساجد.
 وعند عودته إلى مصر، طلب منه د. عبد العزيز كامل، وزير الأوقاف الأسبق، ألا يخلع العمامة بعد ذلك، ففعل.
توفي الشيخ مساء الخميس الماضي عن 89 سنة، أمضى جلها في خدمة كتاب الله. رحم الله الشيخ رحمة واسعة.
المادة من كتاب "أشهر من قرأ القرآن في العصر الحديث" لأحمد البلك