كذبة "تخفيف الحصار" الغزيون يرفضون الحلول الترقيعية
2010-06-27
غزة-رائد موسى
يعمل تجار غزة على التخلص من بضائعهم المهربة من الأنفاق مع مصر تفاديًا للخسائر الكبيرة التي سيتكبدونها إذا سمح الاحتلال بإدخال البضائع الإسرائيلية والمستوردة في إطار إجراءات "تخفيف الحصار" التي قررتها حكومة نتنياهو عقب مجزرة "أسطول الحرية".
ويعتقد تجار ومستهلكون في غزة أن بداية نهاية الحصار قد بدأت مع ارتكاب الاحتلال لمجزرة "أسطول الحرية"، لكن سياسيين ومسؤولين يعتقدون أن الحصار المضروب على قطاع غزة منذ أربعة أعوام بحاجة إلى مزيد من الوقت كي يسقط كليًا.
ويشهد السوق الغزي المكدس بكميات وأصناف كبيرة من البضائع المهربة عبر الأنفاق المنتشرة أسفل الحدود الفلسطينية المصرية، حالة ركود واضحة، عززتها مصادقة حكومة الاحتلال المصغرة للشؤون السياسية والأمنية على توسيع قائمة البضائع المسموح بدخولها إلى غزة في إطار إجراءات "تخفيف الحصار".
وانعكست حالة الترقب والحذر على أسعار السلع والبضائع والأجهزة الكهربائية والسيارات المهربة، جراء امتناع المستهلكين عن الشراء وتفضيل الكثيرين الانتظار إلى حين "ثبات" قائمة البضائع والسلع التي ستسمح حكومة الاحتلال بادخالها إلى غزة.
وقال التاجر أبو شادي، الذي يمتلك معرضًا لتجارة السيارات في مدينة غزة إنه يسعى لبيع ما لديه من سيارات ويرفض شراء سيارات جديدة لتلافي خسائر كبيرة في حال قرر الاحتلال إدخال السيارات الممنوعة من الدخول منذ العام 2006.
"تجارة السيارات ضخمة، والخسائر فيها لا يمكن تعويضها وقد تصل إلى عشرة آلاف دولار في السيارة الواحدة، لذلك نتعامل بحذر شديد وترقب كبير لحركة المعابر"، يقول أبو شادي.
وأضاف: "قبل أسابيع قليلة كنا نتمنى أن يأتي إلينا أحد المواطنين من أجل بيع سيارته، أما الآن فالوضع اختلف كثيرًا. هناك رغبة متزايدة لدى المواطنين لبيع سياراتهم، لكننا كتجار نتخوف من الشراء خشية الخسارة".
ووصلت السيارات في غزة إلى أسعار خيالية منذ تشديد الحصار عقب سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة في منتصف حزيران 2007.
وضرب أبو شادي مثالًا بأن سعر سيارة رباعية الدفع من نوع "هيونداي" موديل 2002 وصل إلى 40 ألف دولار بما يزيد عن سعر هذه السيارة صنع العام نفسه في باقي دول العالم، مؤكدًا أن "سعر هذه السيارة سينخفض إلى أقل من النصف إذا دخلت السيارات من المعابر الشمالية".
ولجأ الغزيون إلى تهريب السيارات من الأنفاق مع مصر لسد العجز في سوق السيارات، غير أن السيارات المهربة لم تؤثر في الأسعار، نظرًا لارتفاع أسعارها نظير نقلها وتهريبها.
وقال صفوت إنه يمتلك سيارة من نوع "فلوكس فاجن" موديل 2002 ابتاعها في الشهور الأولى من فرض الحصار على غزة بنحو 18 ألف دولار، ووصل سعرها قبل بضعة أشهر إلى 25 ألف دولار، لكنه على استعداد الآن لبيعها كما اشتراها تجنبًا لخسارة أكبر إذا فتحت المعابر أمام السيارات.
صفوت لم يسع لعرض سيارته للبيع فعلًا، مثلما فعل مصطفى، لكنه فشل في ذلك بسبب "سوء" السعر الذي دفعه التجار في سيارته.
وقال مصطفى: توجهت إلى عدة معارض للسيارات في غزة لبيع سيارتي من نوع "هوندا" موديل 99 التي كانت تساوي قبل بضعة أسابيع حوالي 20 ألف دولار، فلم يدفع فيها التجار أكثر من 10 آلاف دولار، فيما دفع أحدهم 11 ألف دولار، وقال لي: "أنا أجازف بشرائها، فإذا فتحت المعابر سينخفض ثمنها إلى سبعة آلاف دولار".
رفض مصطفى بيع سيارته بهذا الثمن، لكن القلق يسيطر عليه من خسارة فادحة إذا فتحت المعابر أمام السيارات.
وتشهد محال بيع الأجهزة الكهربائية وأدوات الطهو عروضًا مغرية على جميع أنواع الأجهزة المهربة، سعيًا من التجار للتخلص من بضائعهم مع توارد المعلومات يوميًا عن أصناف وسلع جديدة قرر الاحتلال إدخالها إلى غزة.
وقال منير -الذي يمتلك محلًا لبيع الأجهزة الكهربائية وأدوات الطهو، وهو يشير بيده إلى البضائع المكدسة في محله الصغير في مدينة رفح- إن "أسعار هذه البضائع انخفضت إلى نحو النصف منذ الحديث عن إجراءات تخفيف الحصار".
وأمسك منير بشاشة تليفزيون 50 بوصة، وقال: قبل نحو شهر ونصف الشهر كان سعر هذا التليفزيون 6500 شيكل (الدولار يساوي 3.9 شيكل)، أما اليوم فثمنها فقط 4500 شيكل، ودون إقبال من الناس.
انعكاس إجراءات الاحتلال بتخفيف حصار غزة لم يلامس قناعات الكثيرين بأن الحصار سيرفع كليًا في القريب العاجل.
ويستهزئ أبو محمود من هذه الإجراءات ويتساءل: "هل سماح الاحتلال بإدخال الكاتشب والمايونيز والكزبرة يعني انتهاء الحصار؟".
ويعتقد أبو محمود، الذي ينتظر منذ أربعة أعوام أن تعيد "أونروا" بناء منزله في مخيم الشابورة في رفح، أن "إسرائيل قررت هذه الإجراءات انحناء لعاصفة الانتقادات بعد مجزرة الحرية"، وقال: "الحصار مستمر وإسرائيل ستخدع العالم ببعض السلع والبضائع الثانوية".
وأضاف: "انتهاء الحصار يعني السماح بحرية الحركة والتنقل من وإلى غزة، وإدخال المواد الخام ومواد البناء والسيارات وكل ما يحتاج إليه مليون ونصف المليون فلسطيني".
ووصف المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، طاهر النونو، الحديثَ الإسرائيلي عن تخفيف الحصار بأنه "دعاية صهيونية سوداء".
وقال: "الحديث عن تخفيف الحصار ليس إلا ذرًا للرماد في العيون ومحاولة لامتصاص الغضب العالمي ضد الحصار الظالم".
وشدد النونو على أن "المقبول فلسطينيًا هو استثمار حالة التأييد المتزايدة للقضية الفلسطينية وإنهاء الحصار بشكل كامل، وليس حلولًا ترقيعية يحاول الاحتلال تسويقها دوليًا".
ودحض رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، النائب جمال الخضري، الادعاءات الإسرائيلية بإدخال تسهيلات على حركة البضائع عبر المعابر التجارية مع غزة، لافتًا إلى أن مئة صنف فقط من أصل أكثر من خمسة آلاف صنف تدخل غزة حاليًا.
وقال: "إن ما يروجه الاحتلال هدفه تخفيف الضغط عليه، وإذا تجاوزنا ذلك فلا يمكن تنفيذ "التسهيلات" على أرض الواقع، لأن غزة تحتاج يوميًا لإنهاء حصارها إلى نحو ألف شاحنة، في حين أن المعبر الوحيد (كرم أبو سالم) الذي تدخل عن طريقه البضائع لا يستوعب سوى 120 شاحنة يوميًا".
وحدد الخضري ثلاثة مطالب رئيسة لا يمكن كسر الحصار بدون تحقيقها؛ وتتمثل في فتح معابر غزة التجارية كافة وبشكل كلي، والسماح بتدفق السلع دون استثناء بما فيها المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع والأسمنت وأغراض البناء، وفتح الممر الآمن بين غزة والضفة لتنقل الأفراد، وافتتاح الممر المائي بإِشراف أوروبي.
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل أن "اسرائيل تحاول شراء الوقت دون أن تغير سياستها تجاه الحصار الذي تفرضه على غزة، إذ أنها تختزل المطالبات الدولية التي تسعى لرفع الحصار الإنساني عبر توسيع محدود لقائمة السلع، ودون فتح المعابر أمام الصادرات من قطاع غزة".
وقال: "في الأساس فإن اسرائيل فرضت الحصار لأسباب سياسية، ولأسباب سياسية أخرى دعمت الرباعية الدولية الحصار على غزة، وهي (إسرائيل) لم تكف عن محاولة التخلص من قطاع غزة وفصله كليًا وبصورة شاملة عن بقية الأراضي المحتلة، ولذلك فإنها ستفتح معابرها جزئيًا وشكليًا، وتستمر في المطالبة بفتح معبر رفح بالكامل".
ويعتقد عوكل أن "الرباعية الدولية أرادت أن يكون الحصار وسيلة للضغط على حركة "حماس" من أجل استدراجها إلى ما يسمى العملية السياسية، وإرغامها على الموافقة على الشروط الدولية، وطالما لم يتحقق هدف الاحتلال، وأيضًا لم يتحقق هدف الرباعية، فإن الحصار بمضامينه الأساسية باق".