أحفاد السلطان عبد الحميد وأحفاد "هرتزل" وجهًا لوجه
الشيخ كمال خطيب
2010-06-27
أسطول الحرية، سفينة مرمرة، كسر الحصار عن غزة، الحماقة الإسرائيلية باعتراض الأسطول وقتل تسعة شهداء وجرح العشرات، واقتياد سفن الأسطول الإغاثي إلى ميناء سدود، ثم الموقف التركي القوي والحازم الذي ألزم حكومة نتنياهو بالإفراج عن كل من كان على السفينة، أتراكًا وغير أتراك، ثم تداعيات ذلك الحدث الإقليمية والعالمية؛ جعلت يوم 31/5/2010 محطة فارقة بين مرحلتين في تاريخ العلاقة التركية الإسرائيلية، والتي يبدو أنها لن تعود أبدًا إلى سابق عهدها بعد إذ سال الدم التركي على يد الجيش الإسرائيلي وحالة الغضب الشديد التي تسود الشارع التركي بسبب الحصار والتجويع لأهل غزة، ثم بسبب المذبحة التي ارتكبت بحق ركاب السفينة التركية وقتل تسعة شهداء كلهم من الأتراك.
وإنها جملة ملاحظات سجلتها خلال زيارتي الأخيرة إلى تركيا تشير إلى ذلك النبض الجديد الذي يسري في الشارع التركي، والذي يبدو أن إسرائيل لم تحسب له حسابًا أبدًا، هذا النبض الجديد الذي يشير إلى أن الشارع التركي راح يعود بقوة إلى جذوره التاريخية الإسلامية بكل دلالاتها، وأن الاغتصاب العلماني لفكر الشعب التركي في طريقه إلى الزوال، وأن الاستغلال الانتهازي الصهيوني لتركيا قد مضى إلى غير رجعة.
1. فرقان عاشق فلسطين: كان لوفد الحركة الإسلامية شرف زيارة بيت الشهيد فرقان دوغان في مدينة قيصرية لتقديم التعازي إلى عائلة الشهيد، وفرقان كان أصغر شهداء أسطول الحرية حيث كان ابن تسعة عشر سنة.
فرقان ابن لعائلة متميزة، فأبوه هو البروفسور أحمد دوغان، أستاذ علم الاقتصاد في جامعة قيصرية، والذي أكد الأخوة -الذين لازموه عن قرب- أنه منذ لحظة وصول خبر استشهاد ابنه لم تدمع له عين أبدًا، وأنه ظل على ابتسامته المعروفة، فهو فعلًا صاحب ابتسامة لطيفة تزيّن مُحيّاه.
ظننا أنفسنا أننا ذهبنا لرفع معنويات والد الشهيد فرقان، فوجدنا أنفسنا نستمع إلى من يرفع معنوياتنا وهو يتحدث عن مناقب ابنه الذي جُبـِل على حب فلسطين، كما يقول أبوه، والذي انضم إلى أسطول الحرية بمجرد سماعه خبر تنظيم الأسطول. كان لا يتخلف عن صلاة الفجر جماعة في المسجد أبدًا، وكان متفوقًا في دراسته، حتى إنه وفي امتحان القبول للجامعة لدراسة الطب قد حاز على علامة التفوق، حيث كانت أمنيته كما يقول والده أن يدرس الطب ويتخصص في طب العيون من أجل مساعدة مرضى العيون من المسلمين في أفريقيا وفلسطين.
البروفسور أحمد دوغان لا يتردد بالقول إن ابنه الشهيد قد تمّت تصفيته وعن قرب، حيث أنه أصيب بأربع رصاصات في جبينه ومن مسافة قريبة جعلت رأسه الطاهر يتهشم، ومع ذلك فإنه يقول إنه لشرف كبير له أن يكون ابنه قد استشهد دفاعًا عن غزة ومن أجل رفع الحصار عنها.
2. آخ لو أني أعرف العربية: إنه مصطفى التركي وشقيقه التوأم علي، شابان في الأربعين من العمر، وجدتهما ينتظرانني عند مدخل قاعة المؤتمرات في مدينة قيصرية ليُسلما علي بحرارة ودفء، بل إنني وجدت كل جارحة من جوارحهما تريد أن تعبر بطريقتها.
قال مصطفى وهو ينظر في وجهي: "الآن أستطيع النظر في وجوهكم. قالها بالتركية -وقد ترجمها لي أحد الأخوة المرافقين- ثم أتبعها بالقول: "آخ لو أني أعرف العربية لكنت قلت الشيء الكثير مما أود أن أقوله لك".
لقد كان مثيرًا قوله لي: "الآن أستطيع النظر في وجوهكم"، وهو الذي لم ير ولم أرَ وجهه من قبل أبدًا، فكان لا بد من سؤاله عن قصده ومغزى قوله، فكان جوابه وتفسيره بأنكم أنتم -أبناء الشعب الفلسطيني- قد قدمتم آلاف الشهداء بل عشرات الآلاف منذ النكبة عام 1948 وحتى الآن، وكنا نحن الأتراك نشعر بالتقصير بل والخجل منكم ومن تضحياتكم، فأنتم قدمتم عشرات آلاف الشهداء في سبيل الله ومن أجل قضية فلسطين، بينما لم نقدم -نحن الأتراك- لتلك القضية ولو شهيدًا واحدًا، فكيف لنا أن ننظر في وجوهكم؟ أما وإننا قد قدمنا الآن تسعة شهداء ممن قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي على متن سفينة كسر الحصار عن غزة، أما وإننا أصبحنا شركاء في حمل هم هذه القضية العادلة، أما وإن الدم التركي قد سال مثل الدم الفلسطيني؛ فإن بإمكاننا بعد اليوم أن نتحرر من شعورنا بالتقصير وأن ننظر في وجوهكم.
يا لها من رسالة صادقة مخلصة عبّر عنها مصطفى التركي بهذه الكلمات! ترى ماذا كان سيقول لو أنه كان يفهم العربية؟ إنها كلمة "آخ"، تعبر عما في صدره المكلوم المجروح، وإنها كلمة السر عند كل المكلومين والمجروحين أمثاله.
3. أحفاد صلاح الدين يكملون المسيرة: كم كانت ساخنة تلك الدمعات التي سالت على خدّي والد الشهيد علي حيدر في مدينة ديار بكر الكردية التركية، وهو يحدثنا عن ولده الشهيد علي، خريج جامعة الأزهر في مصر، والذي أسس جمعية لمناصرة المظلومين عمومًا والفلسطينيين على وجه الخصوص.
وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما عرفت أن من بين الشهداء التسعة الذين قتلوا على متن السفينة كان سبعة من الأكراد واثنان من الأتراك من أبناء تركيا.
وكم كان جميلًا ما قاله أحد المسؤولين الأكراد المحليين: "ما دام قد سال دم أحفاد محمد الفاتح التركي وأحفاد صلاح الدين الكردي من أجل فلسطين، فمستقبل فلسطين إلى خير".
إنه ليس جديدًا على الأكراد أن ينتصروا لفلسطين والقدس، وقد فعلها من قبلُ جدهم صلاح الدين الأيوبي الكردي، وأنه ليس جديدًا على الأتراك أن ينتصروا لفلسطين والقدس، وقد فعلها من قبلُ جدهم محمد الفاتح والسلطان عبد الحميد، ولكن الجديد أن يسيل الدم الكردي والتركي معًا في سبيل ومن أجل هذه القضية العادلة، ويقينًا إن قضية جبلت بهذه الدماء فإنها حتمًا قضية منصورة بإذن الله تعالى.
4. من بطولات خالد بن الوليد يستمدون العزيمة: مدينة ديار بكر، هي مدينة أغلبية سكانها من الأكراد، ويبلغ تعداد سكانها مليونًا ونصف المليون، ولمدينة ديار بكر اسمٌ آخر؛ إنها "مدينة الأصحاب"، أما لماذا سميت بهذا الاسم فلأن فيها قبورًا لـ470 صحابيًا من أصحاب رسول الله ρ كانوا قد استشهدوا خلال حصار خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما حاول فتحها، وكان يقف على قيادة جيش خالد الصحابي الجليل عياض بن غـُنم رضي الله عنه.
وفي مدينة ديار بكر مسجد تاريخي اسمه "مسجد سليمان". وقد سمي بهذا الاسم لأن فيه قبر سليمان بن خالد بن الوليد ومعه 27 صحابيًا آخرون كانوا قد قتلوا خلال محاولتهم عبور نفق مائي لاختراق حصون مدينة ديار بكر التي كانت تحت الحكم البيزنطي يومها.
ولقد شرفني الله بزيارة ذلك المسجد بصحبة مجموعة مباركة من الإخوة الأكراد في المدينة، وكان في مقدمتهم الشيخ والعالم الجليل محمد سعيد الكردي، الذي عمل إمامًا لذلك المسجد ثماني سنوات، وهو اليوم إمام للمسجد الكبير في مدينة ديار بكر، المسجد الذي فسّر فيه الإمام الألوسي القرآن الكريم.
قال لي الشيخ الفاضل محمد سعيد الكردي، وقد أقسم بالله العظيم وهو صادق، إنه قبل سنوات حاول وبعض من كانوا معه فتح المكان الذي فيه قبور أولئك الصحابة الشهداء، فرأى جثمان ثلاثة منهم، وأقسم أنهم كأنهم قتلوا قبل ساعات وأن وجوههم ليشع منها النور، فما أطقنا النظر في وجوههم فأغلقنا عليهم، يقول الشيخ محمد سعيد، إنهم أصحاب وإنهم شباب، أي إنهم من شباب الصحابة وإن أعمارهم لا تتجاوز الخامسة والعشرين.
إنه مسجد سليمان بن خالد بن الوليد هناك في ديار بكر، وإنه مسجد خالد بن الوليد ذو المآذن الأربع على أطراف ديار بكر، الذي بناه أحد المحسنين الأكراد على نفقته، في نفس المكان الذي نصب خالد بن الوليد خيمته خلال إدارته لمعركة فتح ديار بكر.
ولحب أهل ديار بكر لسليمان بن خالد بن الوليد، الذي استشهد وهو يحمل لهم الإسلام، يقول مضيفنا الشيخ محمد الكردي إن الحي الكبير الذي فيه المسجد لا يكاد يخلو فيه بيت من ابن قد سمي باسم سليمان تيمنًا وتبركًا، فبورك سليمان وبورك أبوه خالد، وبوركت أمة فيها ومنها أمثال هؤلاء.
5. كرمال غزة الكل يهون: لم أكن أعلم مقدار الحب الذي يكنه أهل تركيا لفلسطين والقدس وغزة، حتى رأيت ذلك بعيني وسمعته بأذني، لقد سمعت بأذني الشاب المؤمن علي باكير من مدينة قيصرية، وهو أحد جرحى المذبحة الإسرائيلية على سفينة مرمرة، وقد أصيب بثلاث رصاصات اخترقت بطنه وصدره، ومع ذلك فقد سلمه الله وعافاه، وهو الجريح الذي تحدثت وسائل الأنباء أنه بقي في المستشفى في تل أبيب بسبب وضعه الصحي، حيث لم يكن بالإمكان مرافقته للجرحى والشهداء والمعتقلين بعد خضوع المؤسسة الإسرائيلية للضغط التركي وإطلاق سراحهم.
إنه الذي سألته مازحًا: هل أنت فخورٌ بما فعلته أم أنك نادمٌ بسبب إصابتك؟ فكان جوابه السريع وفيه نبرة الصدق والعزيمة: "إن شاء الله بعد شفائي فإنني سأعود إلى غزة مع أول سفينة تبحر إليها، فكرمال غزة الكل يهون".
وكذلك حال ذلك الرجل الكردي، فقير الحال، الذي حدثنا عنه الشيخ محمد سعيد الكردي فقال: كان فقيرًا إلى الحد الذي كنت أتصدق عليه بالملابس والطعام، وقد جاءني ذات يوم ومعه ابنه الغلام الصغير الذي يعمل في صبغ الأحذية (مسح الأحذية) في أحد ميادين مدينة ديار بكر، ومن الربح اليسير الذي كان يربحه من ذلك العمل فإنه قد جمع ووفّر مبلغ 500 ليرة تركية (ما يعادل 300 دولار)، يضيف الشيخ: فجاءني ذلك الرجل ومعه ابنه وقد أخرج من جيبه المال الذي ربحه من مسح أحذية المارة ووضعه في يدي قائلًا: "هذا لإخواني في غزة" فقلت له، ولكنك بحاجة إلى هذا المال، وأنت تكسبه من عمل شاق، فقال لي الغلام: "كرمال غزة الكل يهون".
هكذا هو الحب الكردي والتركي لفلسطين وللقدس وغزة، حب لا يعرف الحدود ولا الجغرافيا ولا تأشيرات الدخول، إنه الحب الذي يصل مع الأثير والنسمات.
6. وجهًا لوجه: مئة عام بالتمام مرت على ذروة الكيد والتآمر الذي كان يقوم به "ثيودور هرتزل" مع يهود الدومة (يهود البلقان) ضد الخلافة الإسلامية العثمانية في تركيا.
فمنذ مؤتمر "بازل" 1897 وقرار إقامة الدولة الصهيونية، ثم زيارة "هرتزل" للسلطان عبد الحميد الثاني للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، مستغلًا حالة الضعف التي كانت تعيشها الدولة العثمانية، ثم نجاح أولئك بإيصال مصطفى كمال أتاتورك إلى الحكم والانقلاب على الخلافة وإلغائها عام 1923، وبعد مئة عام مرت ظن فيها الإسرائيليون -أحفاد "هرتزل"- وهم ينعمون بعلاقة مميزة وفريدة مع تركيا العلمانية، حيث التحالف الإستراتيجي بينهما، أن تركيا تُعدّ بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية ملعبا خلفيا ومنجما احتياطيا، وإذا بالأحوال تتغير.
نعم، لم ينس أحفاد "هرتزل" أسلوب الحفر الذي استخدمه جدهم تحت الخلافة العثمانية، واستمروا بنفس الأسلوب، ولم ينس أحفاد السلطان عبد الحميد ما فعله "هرتزل" بجدهم وحفره تحت حكمه وخلافته.
وها هو الشعب التركي يختار له زعيمًا يتكلم بلهجة غير بعيدة عن لهجة وكلمات السلطان عبد الحميد، فإذا كان عبد الحميد قد قال لـ"هرتزل": "إن فلسطين ليست ملكًا لي ولا لآبائي، إنها ملك الأمة الإسلامية وهي التي رويت بدماء الشهداء، ولأن يعمل السكين في جسدي أحب إلي من أن أفرط في شبر واحد منها"، فها هو حفيده أردوغان يقول: "لو أدار العالم كله ظهره لفلسطين ولغزة، فإن تركيا لن تدير ظهرها لفلسطين وغزة، وستظل تعمل لرفع الحصار عنها".
إنه أردوغان الجَسور -وكلمة أردوغان بالتركية معناها: الذي وُلد جسورًا- إنه الذي يقول كلمته بوضوح وجسارة ويحدد سياسته بصراحة وصدق، إنه الذي لما يتحدث عن تراثه وتاريخه فإنه يقصد بذلك الحديث عن أجداده العثمانيين.
إنه قرنٌ كامل مضى وإذا بالحال يتغير، والمؤامرات تكشف، لا تكشف فحسب؛ بل إنها مرحلة معاقبة المتآمرين ومحاسبتهم والوقوف في وجههم، وهذا هو حال الشارع التركي وحكومته في هذه المرحلة، فإذا كان أجداد "نتنياهو" قد حفروا تحت الخلافة العثمانية من "تحت لتحت"؛ فها هم أحفاد السلطان عبد الحميد يواجهون أحفاد "هرتزل" وجهًا لوجه، وإنها الأيام سترينا لمن ستكون العاقبة!!!.
رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي بالمغفرة
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)