الحاج محمد زبن: بحثت عن كتاب لأتعرف على الإسلام فقال لي صاحب المكتبة: "عندي كتاب لجورجي زيدان"
سمير ابو الهيجاء 2010-06-27


كان يصلي صلاة الظهر في مسجد الأبرار في قرية يافة الناصرة حين التقيته لأول مرة، فوجدت ذاك الإنسان المتواضع الذي لا تفارق الابتسامة محياه، وهو يحدث عن بدء الدعوة إلى الله من خلال عمل رصده لله تعالى ولمرضاة الله، كما قال مضيفي الحاج محمد زبن (أبو منير)، في العقد السابع من عمره وله 7 من الأبناء؛ ولدان و5 بنات وله من الأحفاد 22 حفيدا.

هكذا عدت إلى دين الله
يحدث الحاج أبو منير عن نفسه فيقول: كنت أعيش في عائلة غالبية أفرادها متمسكون بمبدأ الشيوعية، وأنا نفسي كنت في ضلال لا أعرف من الدين شيئا ولم أكن أصلي، فقد كنت أتبع المبدأ الماركسي. ومضت على هذا المنوال سنين حتى كان ذلك اليوم بعد حرب حزيران بسنتين أي في عام 1969 عندما نصب الاتحاد السوفيتي الرادارات في سيناء وقامت إسرائيل بتفكيكها والعودة بها بدون تعب. وأذكر يومها أنني كنت مع ما يقارب 15 شابا -كلنا مسلمون- في أحد المقاهي، وكان شاب شيوعي نصراني يشرح لنا عن الشيوعية وأقوال كثيرة أخرى، فسألته: من أوعى؛ نحن أم أبناء الضفة الغربية؟ فقال: نحن. قلت: كيف ذلك وهم يتعلمون في المدارس ونحن في المقاهي لا نعرف شيئا؟ هذا الموقف أثر في نفسي كثيرا، فخرجت من المقهى لآخر مرة في حياتي حيث لم أرتده بعدها، واتجهت إلى مكتبة لأشتري كتابا أتعرف من خلاله على الإسلام، فقال لي البائع: عندي لجورجي زيدان فاشتريت كمية كتب كبيرة وبدأت أقرأ بتلهف حتى أني كنت أمسك الكتاب فلا أتركه حتى أنهيه ثم أنتقل إلى غيره، وكلها أفكار جورجي زيدان، وفي نفس الفترة قرأت القرآن وبدأت أذهب للمكتبات وأتعرف على الكتب الإسلامية فأقرأها بنهم. وأذكر أنني عندما قرأت كتاب "رجال حول الرسول" لم أستطع قراءته في يوم واحد فذهبت إلى الطبيب ليحرر لي إجازة مرضية كعذر لي عند صاحب العمل من أجل إتمام قراءة الكتاب.
ويضيف الحاج أبو منير: هكذا انقضضت على القراءة بشهية كبيرة، وكان ذلك دافعا قويا لأبدأ في الصلاة، وفعلا بدأت أصلي لكن بدون أن أصلي الجمعة، فلمدة سنتين لم أصلِّ الجمعة في مسجد إلا مرة واحدة، حيث كان كل المصلين من كبار السن فلم يعجبني الأمر، وذهبت إلى الناصرة لأصلي هناك في مسجد السلام، وبعدها جاءنا الشيخ محمد أبو هاني الذي كانت له باع طويلة في مسيرة الدعوة، وأعتقد أن الأخوة من قبلي ذكروا هذا الأمر، فقد طاف على المقاهي، على الشباب المنحرف وأخذهم إلى المساجد، وبعدها كانت تنظم لقاءات ولجان عمل وسفريات دعوية ونزهات تربوية جماعية ومعسكرات عمل للشباب. وكان أول معسكر إسلامي للشباب في فلسطين التاريخية في أحراش كفركنا مقابل طرعان حيث شارك فيه قرابة 30 شابا تعلموا المبيت في الأحراش، ويومها قام ابني منير، وعمره 7 سنوات وقتها، فأنشد "طلع البدر علينا". والشيخ منير زبن اليوم هو أحد الدعاة المعروفين في الحركة الإسلامية في المنطقة.

موقف ندمت عليه
لا يختلف اثنان أن العرب في البلاد كانوا حتى فترة معينة يحتفلون بما يسمى "عيد الاستقلال".. وأذكر ذلك اليوم من سنوات الستين الأولى، حيث كانت ستجرى لعبة كرة قدم بيننا وبين بئر السبع فسافرت مع شابين آخرين إلى حيفا، وكان اليهود في حيفا يحتفلون بهذا اليوم، وبما أننا كنا سننتظر القطار حتى نسافر إلى بئر السبع لنشاهد المباراة شاركنا في الاحتفال إلى حد ما، وكنا أبناء 14 سنة. وبينما نحن في منطقة الهدار التقينا شابين أسمرين وكانا من الصومال، وأذكر أن أحدهما كان اسمه عبد الله والثاني عبد السلام، وبعد أن تعرفنا عليهما سألانا ماذا تفعلون هنا؟ فأجبنا بأننا نقضي بعض الوقت في هذه الاحتفالات فنتسلى معهم، فقالا لنا جملة لن أنساها وأتمنى أنها لم تكن في سيرة حياتي، حيث قالا لنا: "أتدرون ما هذا اليوم بالنسبة لنا في الصومال؟ هذا يوم حزن ونحن نصوم هذا اليوم وأنتم هنا تأتون لتحتفلوا!!!".

شخصيات تأثرت بها
في الحقيقة أن العائد إلى دين الله يتأثر بالدعاة الذين يجتمع معهم في بداية طريقه، أو عندما يكون العمل بتلهف ولأجل الله فقط، ومن هؤلاء المحليين والدوليين، فعلى النطاق المحلي تأثرت بالشيخ هاشم عبد الرحمن، حيث كانت له مواقف مؤثرة. فمثلا ذات مرة كنا سنبني أول روضة إسلامية في منطقة الناصرة واجتمعنا معه، فقال جملة ما زلت أذكرها إلى يومنا هذا، حيث قال في بداية الاجتماع: "من يشعر أنه خطا أي خطوة لغير الله فلسنا بحاجة إليه لمشاركتنا في العمل". فهذه كانت بداية الاجتماع الذي ما أن انتهينا منه إلا ودموعنا تنهمر من عيوننا على أمل اللقاء في اليوم التالي للبدء في العمل.
وأما على النطاق الدولي تأثرت بالشيخ الداعية العالمي الشيخ محمد متولي شعراوي، فهو صاحب الأثر في دخولي الإسلام بعد أن كنت غارقا في الفكر الماركسي، فكنت أسمع دروسه وخطبه في جاهليتي، وبعدها سمعت للشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، وذلك بعد أن كان من الصعب علي سماعه بسبب ماركسيتي، فصرت أجبر نفسي على الاستماع إليه حتى أخرج الماركسية من رأسي وحل محلها الإسلام.
هذه كانت أصعب فترات حياتي واستغرقت نحو سنتين، حتى إنني سمعت مئات الأشرطة للشيخ كشك، وعلى صعيد خطب الجمعة كنت أحب سماع الشيخ محمد فؤاد، فكنت أسافر إلى جنين خصيصا لأستمع إلى خطبه، وما زلت أحفظ خطبا له عن ظهر قلب، وأحفظ دروسا للشيخ كشك كذلك.

عمل تعتز به.
يقول الحاج أبو منير: كان بناء الحركة الإسلامية في يافة الناصرة هدفا ساميا، علينا العمل لتنفيذه، لكن كانت هناك صعاب جمة، منها عدم وجود كوادر درست الشريعة الإسلامية، فقررنا أن الشيء الذي يجب أن نفعله هو بناء جيل مسلم ينتمي إلى دين الله ويتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذلك نقضي على الخلافات التي كانت يومها، والحل كان أن نبعث شبانا وشابات ليتعلموا الدين ويعودوا إلينا ليعلمونا
وفعلا، بعثنا أختين إلى كلية الشريعة ثم كان الشيخ علي مصاروة، حيث درس في كلية الشريعة في أم الفحم، والشيخ خالد خليلية والشيخ منير زبن، وهو نجلي والحمد لله. وواصلوا الطريق وكان ثمرة أعمالهم مجمع النور وأجيال النور ومسيرة البيارق والكثير الكثير من الأعمال التي نعتز بها. وعلى سبيل المثال في مسيرة البيارق نحن نسيّر في كل جمعة من رمضان 5 حافلات، بالإضافة إلى تسيير الحافلات في الأيام العادية.
ومن الأعمال الأخرى التي نعتز بها هي مشاركتنا في كل عمل يرضي الله عز وجل، فكان للمهرجانات أثر طيب، وكذلك لمعسكرات العمل التي كنت أشارك فيها، رغم بُعد السفر إلى كفرقاسم وبئر السبع وكفركنا.

فليرابط الناس في الأقصى
يقول الحاج زبن: بالنسبة للمسجد الأقصى فالموقف واضح ولا يحتاج إلى تأكيد، فهو جزء من عقيدتنا ويقع علينا واجب حمايته، التي لا تكون إلا بالرباط فيه وإعماره، لذلك نحث الناس الذين يقبعون في بيوتهم أن لا يكون الرباط في البيوت بل في المسجد الأقصى المبارك، وليفعل اليهود ما يريدون هناك فالأقصى محروس من رب العالمين، لكن لا عذر لنا أن ننتظر في بيوتنا، بل يجب شد الرحال إليه وإعماره. ومهما حصل سيبقى الأقصى لنا ولن نتنازل عنه.

أمنيتي
وعن أمنيته يقول الحاج أبو منير: أمنيتي إعلاء كلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله وأن تبقى راية الدعوة خفاقة عالية، وأن يأتي اليوم الذي تقوم فيه الخلافة على منهاج النبوة كما وعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وكم كنت أتمنى أن أشهدها، لكن إذا لم تكن لنا فأتمناها لأولادنا، وإذا لم تكن لأولادنا فلأحفادنا، مع إيماني المطلق أنها قادمة.