الأسيرة المحررة وردة بكراوي تتحدث لـ "صوت الحق والحرية":
عبد الله زيدان
2010-06-27
*"إن لم نكن يدا واحدة لن نستطيع نصرة القدس والأقصى"
* ثماني سنوات في سجون الظالمين
استضافتنا الأسيرة المحررة العكية العرابية وردة عباس بكراوي، التي أفرج عنها من السجون الإسرائيلية مطلع الأسبوع المنصرم، في بيت أهلها في عرابة، وقد بدا الفرح مرسوما على وجوه إخوتها وأخواتها الذين طالما افتقدوها.. افتقدوا خطواتها التي كانت تحطّ على ثرى الديار وأرضها، عادت بعد شوق وانتظار، تشيّعُ على ماضيها نعش الظلم الملطّخ، تحمل بين راحتيها أغصان الزيتونة التي أخذت تُبدر مع ملامستها شمس الأمل النامي، وهي في إطلالتها نورٌ مشعٌ، هو ذلك النور الذي أكرمها الله به؛ الصبر على البلاء رغم قسوته، دون جزع وكلل، وقد حملت على كاهلها زاد التقوى ليكون لها الزاد الذي تقتات منه في رحلتها إلى الآخرة.
هي صوت الحرة الفلسطينية التي تردد وتُسمع كلّ زمان: أنا الحرة.. رغم سجونكم أنا الحرة، رغم قيودكم أنا الحرة، رغم زنازينكم أنا الحرة، رغم ظلامكم أنا الحرة، ولدت حرة وسأموت حرة ودخلت سجونكم حرة وها أنا ذا أخرج حرة، هذا لسان حالها ولسان حال كلّ الحرائر الأسيرات اللاتي قبعن ويقبعن في سجون الظالمين..
فرحة عرابة وعكا
مع بزوغ فجر الأحد الماضي عانقت شمسه، بعد أن قضت 8 سنوات في غياهب السجون المظلمة، خلف قضبان صدئة حاقدة، لتستقبلها حشود كبيرة من أهالي بلدتها عرابة، لترسم على وجنتيها بسمات وضحكات.. وتستفز من عينيها دمعات فرح.
اكتمل على وردة الصيـف الثامن الذي ابتدأ من فجر يوم 26/10/2002 في السجون، وهي الآن تشبّ من هذه القضبان عزيزةً شامخة الرأس.. بعد أن ذاقت القهر والحرمان.. والألم والمرارة، توفي والداها ولم ترهما، حتى أنها حُرمت من رؤيتهما قبل أن يدفنا، هرولَت إلى مدينة عكا لزيارة قبرَيْهما، فمنهما كما من عكا ارتدت رداء العزة والشرف والتضحية.. نشأت في مدينة عكا حيث استمدت من أسوارها الصلابة، ومن مياه بحرها الصمود والشموخ، انتقلت إلى عرابة البطوف لتستقر هناك، وهناك اتهمت بالتستر على أحد مخططي العمليات التفجيرية.
مُضيفتنا الحرة
تعرفنا الأسيرة المحررة عن نفسها وهي تحمل في قلبها غصة المودع وفرحة المقبل؛ ودّعت أخواتها الأسيرات وقد دمعت مقلتيها حرقة، وأقبلت على حياة جديدة تعانق أهلها.. وقد بللت جفنيها الدموع:
"أنا الأسيرة المحررة وردة عباس بكراوي، ولي سبعة أخوة وثلاث أخوات، وقد فقدتُ والدَيّ وأنا في السجن، الأمر الذي صعُب عليّ تحمله، دخلت خلف القضبان وقد مضى من عمري 24 سنة، عشت حياة السجن وظلم السجان ثماني سنوات، وخرجت وأنا ابنة 32 سنة"، لكنّ الأسيرة تحمل قلبا قويا صلبا لم يصدّعه قهر السجن، ونفسا متماسكة، وهنا تستدرك قائلة: "إلا أنّني بفضل الله عزّ وجلّ تغلبت على الصعاب واتخذت دستوري القرآن فكان زادي وشرابي، وحاولت قدر المستطاع أن أصنع من أسري حقلا أخضر لأصمد في وجه السجّان، والحمد لله الذي قدّر لي أن أكون بين أخواتٍ مسلمات أحببتهنّ في الله وكنّ لي العون والسند".
لحظات الاعتقال!
كانت لحظات الاعتقال الأولى صعبة على وردة بكراوي، حيث وصفت الطريقة التي استعملتها القوات الشرطية بالبشعة جدا وتضيف: "عندما جاءت الشرطة بقواتها المدججة لاعتقالي كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كان والدي موجودا معي، علما أنّه كان يعاني من شلل نصفيّ، وفي الوقت ذاته لم تكن أمي موجودة حيث كانت في زيارة الأهل في الأردن. أخرجوني من البيت بطريقة وحشية وقاسية وأحضروني إلى مخفر الشرطة، وأدخلوني إلى غرف التحقيق، وأحضروا لي ثلاثة من المحققين وجهوا إليّ تهما أولها عن الشخص الموجود معي في القضية وهو رأفت موقدي"، وقالت: "بعدها بدأوا استعمال التعذيب النفسي وتهديدي بأخذ إخوتي وأمي ووالدي معي، وأخذوني دون أن أودع أخوتي وأهلي وساقوني إلى معتقل الجلمة".
وتتابع: "كنت في اللحظات الأولى من الاعتقال مذهولة جدا لأني لم أتوقع حصول هذا الشيء معي وبهذا الشكل المفزع والوحشي، شعرت حينها بالوحدة لأول مرة في حياتي، ولكن بحمد لله بعد أيام رأيت إخوتي الذين أثلجوا صدري وساندوني بكلماتهم الطيبة. بعدها لم أفكر بما سيحصل لي وكيف سأخوض هذه التجربة".
تهمٌ باطلة!
وتتحدث وردة عن التهم التي وُجهت إليها في لائحة الاتهام التي أنكرتها ولا تزال تنكرها جملة وتفصيلا حتى اللحظة قائلة: "كانت أولى التهم التي وجهت إليّ الاتصال بعميل أجنبي وتعتبره إسرائيل "عدوا"، والثانية إخفاء معلومات عن عملية استشهادية كان منفذها شخص اتهموني بمساعدته، والثالثة هي خيانة الدولة"، وأكّدت وردة: "إنّ كلّ التهم التي وُجهت إليّ باطلة، لكن كانت لديهم بعض المعلومات عن شخص كنت قد تحدثت معه عدة مرات، وقد أثبتوا تهمة واحدة وهي التستر على معلومات عن وقوع عملية استشهادية".
تحقيق مؤلمٌ!
وتنوّه وردة إلى طريقة التحقيق التي استعملها المحققون، مشيرة إلى أنّها كانت مؤلمة: "تعاملوا معي وكأني رجل إرهابي، لم يسمحوا لي بالاستراحة نهائيا ووضعوني في زنزانة صغيرة جدا لا متنفس لها وهي تحت الأرض، وكان يتمّ استجوابي أكثر من سبع مرات في اليوم. في الجلسة الثانية من التحقيق وضعوني في غرفة صغيرة وأنا مكبلة اليدين والرجلين وعرضوني على مكيف باردٍ لمدة ثلاث ساعات لوحدي، وبعد ذلك دخل أربعة محققين وبدأوا بالضغط عليّ للاعتراف بتهم كنت لأول مرة أسمع بها، واستمر هذا الحال مدة شهرٍ على التوالي، دون أن يفرقوا بين رجل وامرأة".
هدية زفاف لبابة.. هدية الحرية!
واستمر التحقيق مع وردة مدة سنتين منذ أن اعتقلت في صيف 2002 في تاريخ 16/10، حتى النطق بالحكم في صيف 2004 في تاريخ 22/9، وقبيل النطق بالحكم على وردة بكراوي أهدت وردة إلى الشيخ رائد صلاح هدية عندما كانت في زنزانة تحت المحكمة في حيفا، وكان الشيخ في زنزانة أخرى، وتردف وردة: "كان ذلك سنة 2004 عندما أحضروني إلى زنزانة في حيفا وكان بجانبي زنزانة كان بداخلها الشيخ رائد صلاح وعند رؤيتي له شعرت بمعنوياتي تعانق السماء، لقد مدني بالقوة والصبر ورفع من معنوياتي كثيرا".
وقالت: "كان بحوزتي كتب من الأدعية والقرآن حيث كنت أحملها دائما معي، فقررت في هذه اللحظة أن أهدي الشيخ الأب الفاضل الشيخ رائد صلاح هدية، علما أنّه في البداية كان الأمر صعبا لأنّه لم يكن مسموحا لنا تبادل الأغراض أو حتى الحديث، فناديت السجان وطلبت منه أن أغيّر الزنزانة لأن الحمام في داخلها يقابل باب الزنزانة الرئيس وهو بدون ستارة، وذلك بحجة أنّي أريد أن أتوضأ لأصلي الظهر، وأخفيت الهدية وراء كرسي في الزنزانة وتبادلنا الأماكن، بيني وبين الشيخ رائد صلاح، وهكذا استطعت أن أوصل إليه الهدية المتواضعة التي لطالما حلمت أن أهديها إلى شيخنا".
وكان الشيخ رائد صلاح قد ذكر الحادثة في كلمته التي ألقاها في مهرجان استقبال الأسيرة. وقال إنه قدم الهدية إلى ابنته لبابة في يوم زفافها.
معاناة في المعتقل
مرّت على وردة أيّام صعبة. فمنذ اعتقالها في اللحظة الأولى إلى فترة التحقيق ومرورا بالزنازين المظلمة، تتذكر ذلك الحدث المؤلم وتقول: "بعد انتهاء فترة التحقيق نقلوني إلى قسم الموقوفات، مع سجينات مدنيات، عانيت معهنّ كثيرا، حيث كن دائما يشتمنني ويتهمنني بأنّي إرهابية، وهددنني بالانتقام. وتضيف: "كلما خرجت من الغرفة للقاء المحامي أو لزيارة أهلي كانت الجنائيات يوجهن إليّ أبشع الشتائم والألفاظ البذيئة، وقد حاولن مرات عدّة الهجوم عليّ، ولكن بفضل الله حفظني منهنّ"، وتتابع: "بعد شهرين من المعاناة قررت أن أتخذ خطوة لأخرج من هذا الوضع القاسي؛ فأعلنت الإضراب عن الطعام حتى ينقلوني إلى سجن الأمنيات في الرملة، وقد حاولوا الضغط عليّ كي آخذ الوجبات، وقالوا إنّهم سينقلونني بعد فترة، لكنّني أصررت على الإضراب، إلى أن جاء مدير السجن وتحدث معي، فقلت له إنني لن أفكّ إضرابي إلا في اليوم الذي ستنقلونني فيه إلى سجن الرملة، وفعلا نقلوني في اليوم الثالث من الإضراب إلى سجن الرملة، وكانت حجتهم في عدم نقلي هو عدم توفر مكان لي في سجن الرملة، ولكنهم في الحقيقة أرادوا استفزازي والضغط عليّ، لأني لم أرضخ لهم، وكان ذلك قبل النطق بالحكم".
حكم جائر!
وتتحدث وردة عن حيثيات المحكمة قائلة: "كانت المحكمة تعجّ بالأهل والأقارب والأصحاب الذين ساندوني بكلماتهم ونظراتهم، إلى درجة أنني لم أستمع أو لم أتنبه إلى الحكم. وما آلمني ليس الحكم، لا والله، ولكن دموع أمي -رحمها الله- ودموع أخوتي، لأن أموت في اليوم ألف مرة أهون عليّ من أن أرى دموع أمي وأخوتي، لكن بفضل الله صبرت واحتسبت وفوضت أمري إلى الله، ودعوت بالدعاء الذي أدعوه في كلّ مصيبة؛ "اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها"، والحمد لله آجرني وأخلفني خيرا منها". وتقول: "بعد النطق بالحكم كنت حزينة جدا، لكنني صبرت وسجدت لله سجدة شكر، ومن بعدها نقلوني إلى السجن ووجدت جميع أخواتي الأسيرات في انتظاري، وعندما أخبرتهنّ بالحكم الجائر هنأنني وباركن لي، فهذه الثماني سنوات ما هي إلا أوسمة أضعها على كتفي بكل عزّ وفخر".
يوميات الأسيرات
وعن قضائها لليوم الأول في السجن بعد النطق بالحكم قالت: "قضيت اليوم الأول في الصلاة والتضرع إلى الله بأن يُفرج عنا جميعا وأن لا تطول غربتنا في هذا السجن الظالم أهله، ونمت هادئة البال قريرة العينين، ولا أقول إلا ما يرضي الله، الحمد لله على كلّ حال".
"كنّا نخرج إلى "الفورة" مدة ثلاث ساعات، حيث كنّا نجتمع خلالها مع الأخوات الأسيرات فنمشي مدة ساعة ونجلس مع بعضنا قليلا من الوقت بحيث لنا برنامج جماعي، وهو إعطاء موعظة صغيرة من إحدى الأخوات، ومن ثمّ قراءة جزء من القرآن بشكل جماعيّ، كما كنا نقوم بمسابقات ثقافية".
دراسة الشريعة
ومضت في الحديث عن برنامجها الشخصي: "كنت أقضي برنامجي اليومي في قراءة القرآن وحفظ ما أستطيع من القرآن والأحاديث"، وأضافت: "كنت أيضا أدرس الشريعة والفقه مع أخت معها دكتوراه في الشريعة، ساعدتني في الدراسة كثيرا، كما حصلت على إجازة في التجويد بمعدل 92، وبعدها بدأت أعطي دورات في اللغة العبرية، حيث كان من الضروري أن نتعلم لغتهم".
وردا على سؤالنا أين وصلت في الحفظ قالت: "حفظت من القرآن ثمانية أجزاء إضافة إلى سور كثيرة متفرقة، والحمد لله حفظت ما يقارب الـ1000 حديث من الأربعين النووية وصحيح البخاري وصحيح مسلم".
وفاة الوالدين
وتقول وردة: "هناك الكثير من الأحداث التي أثرت علينا في السجن، ولكن أكثر شيء أحزنني وأثر عليّ هو يوم وفاة والدي ووالدتي، وكنت قد طلبت من إدارة السجن أن تسمح لي بالذهاب للمشاركة في التشييع وتوديعهم، أو على الأقل الاتصال بأهلي، إلا أنّهم رفضوا، وهم يعلمون كيف يكون حال الإنسان الذي يفقد إنسانا عزيزا عليه. وقد أرادوا من منعي إضعاف عزيمتي، ولكنّ الحمد لله صبرت وفوضت أمري إلى الله، كما أنّ الأخوات جميعا وقفن إلى جانبي، وللعلم فإنّ الأسيرات يقمن بيتا للعزاء في حال وفاة أحد أقاربهن".
رسالة الأسرى
ونقلت الأسيرة المحررة رسالة الأسيرات: "رسالة الأسيرات الأولى إلى القوى الفلسطينية، الوحدة لجميع إخواننا في الضفة والقطاع، كونوا وحدة واحدة بغض النظر عن أية أمور أخرى، لأننا نعلم من هنا أنّ الإسلام يُحارَب من جميع الاتجاهات، وإن لم نكن يدا واحدة فلن نستطيع أن ننصر إسلامنا ونحمي القدس والأقصى من سياسة الهدم والتهويد، والرسالة الأخرى أن لا يُنسى أيّ من الأسرى والأسيرات من صفقة "شاليط" التي ينتظرونها بفارغ الصبر"، وقالت: "نحن لم ننس القانون الذي يتحدثون عنه حاليا، وهو قانون "شاليط"، لسحب إنجازات كثيرة من الأسرى بدعوى أنّ "شاليط" يعاني ولا يزوره أهله، فلا تنسونا خلف القضبان وعليكم بالوحدة ونصر الإسلام".
فرحة تبددها غصة
وتتحدث وردة عن لحظات وداعها لأخواتها في السجون فتقول: "كانت لحظات فراقي لأخواتٍ عشت معهن طويلا صعبة جدا ومليئة بالدموع، منهنّ أخواتي اللاتي تركتهنّ وأنا أعلم علم اليقين بأنّي فارقتهنّ بالجسد فقط ولكن بالروح والقلب والعقل ما زلت معهن"، وأضافت: "كانت فرحتي مختلطة بدموع وألم، فرحتي بلقاء أهلي وأحبتي الذين حُرمت منهم سنوات هي فرحة كبيرة، وفي المقابل غصة وألم في قلبي لفراق أخواتي اللواتي بقين خلف القضبان".
كلمة شكر..
وقالت وردة: "الشكر أولا لجمعية يوسف الصديق لرعاية السجين والحركة الإسلامية التي احتضنتني ووقفت إلى جانبي معنويا وماديا، وكانت لي العون دائما، وعلى رأسهم فضيلة الأب الشيخ رائد صلاح، كما وأقدّم شكري لجميع من وقفوا إلى جانبي وجانب أهلي في هذا الفرح العظيم، وشكري أيضا لوزير الأسرى والمحررين عيسى قراقع".
كلمة أخيرة..
وفي كلمتها إلى الأسرى والأسيرات الذين ما يزالوا في السجون قالت: "كلمة أخيرة أقولها لأخواني وأخواتي في السجون الإسرائيلية، اصبروا وصابروا واعلموا علم اليقين بأنّه لا بدّ لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر، وبإذن الله سأبقى معكم وأبدا داعية لكم بالفرج القريب والعودة إلى أحضان أهلكم وبلدكم..
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منفرج *** أبشر بخير فإنّ الفارج الله..
ومضت: "كلمتي أيضا أوجهها إلى جميع النساء والأخوات، نحن نعلم أنّ الإسلام يُحارب دائما، فبسعينا لإعلاء كلمة "لا إله إلا الله" جهاد، جهاد المرأة في بيتها، فتربية أبنائها تربية صالحة هو أفضل الجهاد، جهادها في نشر الدعوة والإسلام هو أفضل الجهاد، وجهادنا في الصبر والإيمان والتحدي ومواجهة أعداء الدين، فذاك أيضا أفضل الجهاد".